الشيخ محمد النهاوندي
509
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
إِلَّا هُوَ وحده ، لا شريك له في الالوهيّة ، وفيه تنزيهه من جميع النّقائص . ثمّ بعد إثبات الصفات الجلاليّة إجمالا ، أثبت له الصّفات الجماليّة بذكر الصّفة الجامعة لها ، وهي الْحَيُّ قيل في معناه : الدّائم ، الباقي ، الفعّال ، المريد . وقيل : إنّه المدرك بذاته ، والقادر بإرادته . و الْقَيُّومُ وهو المتقوّم بذاته ، المقوّم لكلّ ما عداه في ماهيّته ووجوده ، والعالم بتدبير جميع الخلق وحفظهم ، فيدلّ هذا الوصف على كون ذاته المقدّسة قديمة ، أزليّة ، دائمة ، غنيّة ، قادرة ، عالمة . روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال : « لمّا كان يوم بدر قاتلت ، ثمّ جئت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنظر ماذا يصنع - قال - فجئت وهو ساجد ، يقول : يا حيّ يا قيّوم ؛ لا يزيد على ذلك ، ثمّ رجعت إلى القتالّ ، ثمّ جئت وهو يقول ذلك ، فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه ، وكان لا يزيد على ذلك ، إلى أن فتح اللّه له » « 1 » . وقال بعض : إنّه الاسم الأعظم « 2 » . روي عن ابن عبّاس أنّه كان يقول : أعظم أسماء اللّه الحيّ القيّوم « 3 » . ونقل أنّ عيسى عليه السّلام إذا أراد أن يحيي الموتى يقول : يا حيّ يا قيوم « 4 » . وقيل : دعاء من خاف الغرق في البحر : يا حيّ يا قيّوم « 5 » . ثمّ قرّر تعالى صفة القيموميّة بذكر لازمها ، بقوله : لا تَأْخُذُهُ ولا تعتريه سِنَةٌ وفتور ، أو نعاس وَلا نَوْمٌ قيل : هو كناية عن عدم غفلته عن تدبير الخلق « 6 » ، كما أنّه يقال لمن غفل عن شيء وضيعه : إنّك وسنان نائم . ثمّ أكّد قيمومته ، واحتجّ على تفرّده بالتّدبير بأنّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إذ هو خالق جميع الممكنات ومبدعها ، فكلّها ملكه وتحت قدرته وسلطانه ، ليس لغيره في عوالم الوجود تصرّف ولا حكم ولا نفوذ إرادة . ثمّ لمّا كانت قريش يعبدون الأصنام بزعم أنّها شفعاء عند اللّه ، عظّم كبرياءه ، وأثبت توحّده في العبادة ، وأنكر عليهم اعتقاد كونهم شفعاء بقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ في شيء من الأشياء وأمر من الأمور إِلَّا بِإِذْنِهِ وإجازته ورضاه ، ومن الواضح أنّه لا إذن إلّا لمن له كرامة لديه ، ومقام محمود عنده ، كالنبيّ وخلفائه وصلحاء امتّه ، دون الأصنام والكفّار .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 7 : 3 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 400 . ( 3 ) . تفسير الرازي 7 : 3 . ( 4 و 5 ) . تفسير الرازي 6 : 176 . . تفسير روح البيان 1 : 400 . ( 6 ) . تفسير الرازي 7 : 6 .